ظهور الحاج سيدي صلوح الجماني بشكل لافت: قراءة مهنية في النشاط السياسي ودلالاته الانتخابية

مدير الموقع28 ديسمبر 2025
مدير الموقع
أقلام حرة
ظهور الحاج سيدي صلوح الجماني بشكل لافت: قراءة مهنية في النشاط السياسي ودلالاته الانتخابية

شطاري نيوز 

من الصعب اعتبار الحضور المكثف للحاج سيدي صلوح الجماني خلال الفترة الأخيرة مجرد نشاط عابر أو صدفة معزولة عن السياق السياسي العام بمدينة الداخلة، فالرجل الذي بصم لسنوات طويلة تدبير الشأن المحلي، وغاب لفترة بسبب وضعه الصحي، يعود اليوم إلى الواجهة بحضور محسوب ومتدرج، يجمع بين الفعل السياسي الهادئ والتواصل الميداني غير المعلن، دون أي خطاب انتخابي مباشر أو إعلان صريح عن النوايا.

ويُعد صلوح الجماني من أبرز الأسماء التي طبعت المشهد المحلي بالداخلة، إذ ترأس جماعة المدينة لعدة ولايات متتالية، وراكم تجربة سياسية جعلته فاعلاً مركزياً في توازنات المدينة، كما حافظ، حتى خلال فترات الغياب، على مكانته الاعتبارية ورصيده داخل النسيج السياسي والاجتماعي، تاركاً رئاسة الجماعة في مرحلة سابقة للراغب حرمة الله، الذي تولى لاحقاً أيضاً رئاسة الجامعة، في سياق اتسم بإعادة توزيع مدروسة للأدوار أكثر منه انسحاباً من الفعل السياسي.

قراءة هذا الظهور من زاوية انتخابية تفرض الاعتراف بأن صلوح الجماني لا يتحرك خارج منطق التوقيت، ولا بمعزل عن التحولات الجارية في الخريطة السياسية المحلية، فالمشهد بالداخلة يعيش مرحلة إعادة تشكل هادئة، تعاد فيها مراجعة التوازنات التقليدية، ويعيد الفاعلون الكبار حساباتهم استعداداً للاستحقاقات المقبلة، وهو ما يجعل عودة الجماني بهذا الزخم عودة لاعب ثقيل يدرك أن المعارك الانتخابية الحقيقية تبدأ قبل موعد الاقتراع بسنوات.

ويبرز في هذا السياق نمط خاص ميّز المسار السياسي للحاج سيدي صلوح الجماني، ويتعلق بعلاقته بالمنصب التنفيذي نفسه، فرغم ترشحه المتكرر وفوزه في محطات انتخابية متعددة، لم يكن معروفاً عنه التشبث الشكلي بالرئاسة، بقدر ما كان يراهن على التأثير السياسي وضبط التوازنات، ففي إحدى الولايات، أُسند التسيير الفعلي لنائبه، بينما اكتفى هو بدور توجيهي، وفي محطة أخرى تنازل عن رئاسة جماعة الداخلة لفائدة الراغب حرمة الله رغم فوزه، في خطوة عكست قناعة سياسية ترى في السلطة وسيلة لتنظيم المشهد لا غاية في حد ذاتها.

ويتعزز هذا المعطى باستحضار مساره على مستوى الجهة، حيث ظل حاضراً ومهيمناً سياسياً طيلة أربع ولايات، كان خلالها داعماً رئيسياً لولايتين متتاليتين لإحدى الشخصيات المقرّبة منه سياسياً، قبل أن يتولى هو نفسه رئاسة الجهة لولايتين متتاليتين، غير أن أسلوب اشتغاله ظل قائماً على منطق “الحضور المؤثر دون الانغماس التنفيذي”، محافظاً على موقع المرجعية السياسية، مع إسناد التدبير اليومي لأحد الداعمين له داخل نفس الدائرة.

أما انتخابات 2021، فمثّلت محطة مفصلية، حيث اختار صلوح الجماني، بشكل غير مباشر، التنازل عن رئاسة مجلس جماعة الداخلة، مكتفياً بمقعده البرلماني، في خطوة فُسّرت حينها باعتبارها إعادة توزيع محسوبة للأدوار، وفصلاً مقصوداً بين التمثيل الوطني والتدبير المحلي، بما ينسجم مع نهجه القائم على إدارة التوازنات وضمان الاستقرار السياسي أكثر من التموقع في واجهة التسيير.

وفي هذا الإطار، تكتسي مشاركته المتكررة إلى جانب المكتب السياسي لحزب السنبلة دلالة سياسية واضحة، تعكس عودة قنوات التواصل مع مركز القرار الحزبي، وهي خطوة أساسية في أي تموضع انتخابي جدي، كما أن الاجتماع الذي احتضنته مدينة العيون، بحضور الحاج ختار الجماني، في حضور نادر لمثل هذه اللقاءات، يضفي حمولة رمزية قوية على هذا المسار، ويعزز القراءة التي ترى فيه محطة سياسية تتجاوز الطابع التنظيمي العادي، خصوصاً في ظل تداول قضايا استراتيجية من قبيل ملف الحكم الذاتي.

اما انتخابياً، فيفتح هذا الحضور المكثف أكثر من سيناريو محتمل، فالسيناريو الأول يتمثل في عودة مباشرة للمنافسة الانتخابية، إذا ما توفرت الشروط الصحية والسياسية، مستنداً إلى قاعدة شعبية لا تزال قائمة، وإلى ذاكرة جماعية تربط اسمه بتجربة التسيير المحلي، أما السيناريو الثاني، وهو لا يقل ترجيحاً، فيقوم على لعب دور “الفاعل المرجعي” أو “صانع التوازنات”، عبر التأثير في اختيار المرشحين، وتوجيه التحالفات، وضمان حضور التيار الذي يمثله في قلب القرار المحلي دون الترشح الشخصي.

وفي كلتا الحالتين، فإن مجرد عودة صلوح الجماني إلى التداول السياسي الفعلي تضع الرئيس الحالي لجماعة الداخلة، الراغب حرمة الله، أمام معادلة جديدة، لا بالضرورة في أفق صدام مباشر، بل في سياق إعادة طرح سؤال الزعامة المحلية، ووزن التجربة مقابل الاستمرارية، والرصيد السياسي مقابل شرعية التدبير الراهن.

وما يميز تحركات الحاج سيدي صلوح الجماني في هذه المرحلة هو طابعها الهادئ وغير التصادمي، وغياب أي خطاب شعبوي أو انتخابي مباشر، مقابل اعتماد واضح على الحضور الرمزي، واللقاءات السياسية المغلقة، والغموض المحسوب، وهو أسلوب يعكس خبرة سياسية تراهن على التوقيت وبناء التأثير من الخلف، أكثر من الرهان على الظهور المبكر.

في الخلاصة، وبقراءة انتخابية صريحة، يمكن القول إن الحاج سيدي صلوح الجماني عاد فعلياً إلى قلب المعادلة السياسية بالداخلة، سواء كمرشح محتمل أو كفاعل مؤثر في هندسة المشهد الانتخابي المقبل، وستظل تحركاته خلال الأشهر القادمة عاملاً حاسماً في فهم اتجاهات المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى الأشخاص، بل على مستوى طبيعة التوازنات السياسية التي ستفرزها الاستحقاقات القادمة بالمدينة.


Warning: Division by zero in /home/chtarinews/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1528

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    تنبيه
    error: Content is protected !!