شطاري نيوز
بقلم: سيد الزين محمد
أوقف رئيس مجلس المستشارين الحالي محمد ولد الرشيد صفقة مالية مثيرة للجدل تتجاوز قيمتها مليار سنتيم كان قد وقعها سلفه النعم ميارة، وهو القرار الذي فتح الباب واسعاً أمام الحديث عن توتر مكتوم بين الرجلين خرج إلى العلن، خصوصاً وأن علاقاتهما العائلية والقبلية القوية لم تمنع تحول التحالف السابق إلى مواجهة سياسية مباشرة.
فتولي محمد ولد الرشيد رئاسة المجلس في النصف الثاني من الولاية التشريعية خلفا لابن عمه النعم ميارة، وهو حدث أثار الكثير من علامات الاستفهام حول ما إذا كان الأمر ثمرة اتفاق داخلي بين الطرفين لتوزيع الأدوار، أم أنه نتيجة صراع خفي دفع ولد الرشيد إلى ممارسة ضغوطات قوية على ميارة لإزاحته من المشهد السياسي، هذا التحول غذى فرضية أن ولد الرشيد شعر في مرحلة ما بأن ميارة تمرد عليه، فاختار فتح باب تصفيات الحسابات عبر قرارات حاسمة وتسريبات إعلامية أضعفت صورة غريمه.
النعم ميارة، الذي راكم تجربة طويلة داخل النقابة والحزب، صعد تدريجياً إلى الصفوف الأولى حتى وصل إلى رئاسة مجلس المستشارين، وهو ما جعل كثيرين يتساءلون، هل كان صعوده مدعوماً في بداياته من عائلة أهل الرشيد ذات النفوذ الواسع في الأقاليم الجنوبية، أم أنه فرض وجوده بفضل تكوينه السياسي وخبرته التنظيمية، في المقابل، يمثل محمد ولد الرشيد الامتداد الطبيعي لوزن العائلة السياسي والقبلي، ويحاول تكريس صورة جديدة تقوم على الشفافية وترشيد النفقات، غير أن خطواته الأخيرة تحمل في طياتها بعداً سياسياً صريحاً يعكس طبيعة الصراع القائم.
هذا التوتر لم يكن ظاهراً في البداية، لكنه برز بقوة بعد تعويض ميارة بولد الرشيد على رأس المجلس، ليأخذ شكل مواجهة شخصية وسياسية، زادتها صفقة المليار المشبوهة تعقيداً، فالخلاف لم يعد مجرد تنافس داخلي على مواقع النفوذ، بل أصبح مرتبطاً بمسألة الشرعية والزعامة داخل حزب الاستقلال، حيث يحاول كل طرف ترسيخ صورته باعتباره الأجدر بقيادة المرحلة المقبلة.
أما عن هاتين الشخصيتين، فمحمد ولد الرشيد يعد من أبرز الوجوه السياسية الصحراوية داخل حزب الاستقلال، حيث استطاع أن يرسخ لنفسه مكانة وازنة من خلال حضوره القوي في الأقاليم الجنوبية وقدرته على إدارة التحالفات الانتخابية والحزبية، بفضل نفوذه المحلي وشبكة علاقاته القبلية والسياسية، تمكن من قيادة التنظيم الحزبي بالصحراء وجعل من العيون قاعدة نفوذ مؤثرة على المستوى الوطني، كما برز كمهندس لتوازنات الحزب في المنطقة، مستندا إلى براغماتيته وقدرته على الحشد والتأثير.
أما النعم ميارة، فقد شق مساره من البوابة النقابية، حيث برز داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب قبل أن يصعد إلى واجهة السياسة الوطنية بانتخابه رئيسا لمجلس المستشارين سنة 2021، يمثل ميارة وجهاً نقابيا وسياسيا يجمع بين الانتماء الحزبي وحضور قوي في المؤسسات التشريعية، ويتميز بصلابة مواقفه النقابية وسعيه إلى خلق توازن بين المطالب الاجتماعية والرهانات السياسية، وهو ما جعله يحظى باعتراف وطني يتجاوز حدود منطقته الأصلية بالصحراء.
فعلاقة الرجلين تميزت في بدايتها بتكامل نسبي بين النفوذ الانتخابي والتنظيمي لولد الرشيد من جهة، والحضور النقابي والتشريعي لميارة من جهة أخرى، غير أن تباين الأدوار سرعان ما تحول إلى خلافات وصراع نفوذ داخل الحزب، خاصة بعد أن برز ميارة في موقع منافس داخل الواجهة الوطنية. هذا التحول جعل العلاقة بينهما تتسم بالتوتر والتجاذب بدل التنسيق، ومع ذلك يبقى المستقبل السياسي مفتوحا على عدة احتمالات، فمحمد ولد الرشيد قد يعزز حضوره كمهندس رئيسي للمعادلات الحزبية بالصحراء وربما يتطلع إلى أدوار وطنية أكبر، بينما النعم ميارة قد يسعى لترسيخ موقعه داخل المؤسسات الدستورية وتثبيت صورته كقيادي وطني له امتداد صحراوي، وهو ما قد يجعل العلاقة بينهما في القادم رهينة بمدى قدرة كل طرف على استيعاب الآخر أو الاستمرار في منطق التنافس والصراع.
فمستقبل الرجلين داخل الحزب مرتبط بمدى قدرتهما على تجاوز الخلاف أو تأطيره، فإما أن ينجح الحزب في إيجاد صيغة توافقية تُبقي على توازن النفوذ بينهما، أو أن يتطور الوضع إلى صراع مفتوح قد يترك أثره على موقع حزب الميزان في المشهد الوطني، ويبقى السؤال الأبرز هو هل كان انتقال رئاسة المجلس من ميارة إلى ولد الرشيد محطة عادية في مسار التداول الداخلي، أم بداية معركة حقيقية قد تعيد رسم معالم السلطة داخل الحزب والمؤسسة التشريعية معاً؟









Comments - صراع النفوذ بين محمد ولد الرشيد والنعم ميارة.. من التحالف العائلي إلى المواجهة السياسية :
Sorry Comments are closed