شطاري نيوز:
دخلت العلاقات بين إسبانيا وجبل طارق مرحلة جديدة، بعد التوصل إلى اتفاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ينظم حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود، في خطوة تاريخية أنهت العمل بالسياج الحدودي وإجراءات التفتيش الروتينية التي ظلت لعقود تعرقل التنقل بين الجانبين.
ويأتي هذا الاتفاق ثمرة سنوات من المفاوضات التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث ظل وضع جبل طارق، باعتباره إقليماً بريطانياً خارج الاتحاد، يثير حالة من الغموض القانوني والسياسي أثرت على الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة الحدودية.
ويُنتظر أن ينعكس الاتفاق إيجاباً على الحياة اليومية لسكان الإقليم والمناطق الإسبانية المجاورة، خاصة أن جبل طارق، الذي يقطنه نحو 40 ألف نسمة، يعتمد بشكل كبير على ما يقارب 15 ألف عامل يعبرون الحدود يومياً من إسبانيا.
وبموجب الترتيبات الجديدة، سيتمكن المقيمون في جبل طارق من دخول الأراضي الإسبانية باستخدام بطاقات الإقامة دون الحاجة إلى ختم جوازات السفر، فيما سيعبر المواطنون الإسبان نحو الإقليم باستعمال بطاقات الهوية الوطنية، بما يضمن انسيابية أكبر لحركة التنقل.
كما ينص الاتفاق على اعتماد نظام مراقبة مشتركة للمسافرين القادمين عبر مطار جبل طارق، تشرف عليه سلطات الإقليم وإسبانيا، بما ينسجم مع متطلبات فضاء شنغن، رغم أن جبل طارق لا يُعد جزءاً منه.
ويتضمن الاتفاق أيضاً إزالة القيود المفروضة على تنقل الأشخاص والبضائع، وإرساء إطار للتعاون الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وجبل طارق، إلى جانب تنسيق بعض الضرائب غير المباشرة، من بينها اعتماد ضريبة تعادل ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15 في المائة عند دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
وامتدت بنود الاتفاق لتشمل مجالات حماية البيئة، والضمان الاجتماعي، ودعم التشغيل والتكوين، مع توفير ضمانات إضافية لفائدة العمال العابرين للحدود، في إطار تعزيز التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي بالمنطقة.
واعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إزالة السياج الحدودي “لحظة تاريخية”، مؤكداً أنها تضع حداً لما وصفه بـ”جرح مفتوح” استمر لعقود، وتمهد لمرحلة جديدة من التعاون وحسن الجوار بين الطرفين.
من جهته، أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الاتفاق سيسهم في تحسين ظروف التنقل، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التعاون الاقتصادي لفائدة سكان منطقة كامبو دي جبل طارق.
ومن الناحية العملية، من المنتظر أن يضع الاتفاق حداً لمعاناة آلاف العمال الذين كانوا يواجهون يومياً طوابير انتظار طويلة عند المعبر الحدودي، خصوصاً خلال فترات التوتر السياسي بين مدريد ولندن.
ويعود النزاع حول جبل طارق إلى عام 1713، عندما تنازلت إسبانيا عن الإقليم لبريطانيا بموجب معاهدة أوتريخت، ليصبح لاحقاً أحد أهم المواقع الاستراتيجية عند مدخل البحر الأبيض المتوسط.
وشهد الملف إحدى أكثر محطاته توتراً سنة 1969، عندما أغلقت إسبانيا الحدود بشكل كامل في عهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو، قبل إعادة فتحها تدريجياً وصولاً إلى استئناف الحركة بشكل كامل سنة 1985.
ورغم الأهمية السياسية والاقتصادية للاتفاق، فإنه لا يغير الوضع القانوني للإقليم، الذي يظل خاضعاً للسيادة البريطانية، كما لا يمس بالموقف الإسباني المطالب باستعادة جبل طارق.
وتواصل مدريد اعتبار الإقليم قضية تصفية استعمار مدرجة ضمن أجندة الأمم المتحدة، فيما تتمسك لندن وسلطات جبل طارق بحق سكانه في تقرير مصيرهم، استناداً إلى نتائج الاستفتاءات التي أيدت استمرار السيادة البريطانية.
وبالتوازي مع إزالة السياج، عززت سلطات جبل طارق منظومتها الأمنية عبر اعتماد تقنيات المراقبة الرقمية، بما في ذلك كاميرات التعرف على الوجوه، وتدعيم قدرات الشرطة والجمارك وخفر السواحل، في خطوة تعكس انتقال الرقابة من الحدود التقليدية إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة.
وبهذا الاتفاق، تُطوى صفحة طويلة من القيود الحدودية بين جبل طارق وإسبانيا، وتُفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاجتماعي، غير أن الخلاف التاريخي حول السيادة يظل قائماً، ليؤكد أن إزالة الحواجز المادية لا تعني بالضرورة إنهاء النزاعات السياسية الممتدة منذ أكثر من ثلاثة قرون.







