شطاري نيوز – هيئة التحرير
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على استقلال الجزائر سنة 1962 حتى بدأت بوادر توتر سياسي تظهر بينها وبين المغرب، رغم التاريخ المشترك من الدعم والتضامن خلال حرب التحرير الجزائرية، ففي مارس 1963، سارع الملك الحسن الثاني إلى القيام بزيارة رسمية إلى الجزائر بدعوة من الرئيس أحمد بن بلة، في خطوة عكست رغبة الرباط في تثبيت علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين، وقد أعطى الملك لهذه الزيارة أولوية دبلوماسية واضحة، إذ أجّل زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة بدعوة من الرئيس جون ف. كينيدي، في رسالة سياسية تؤكد أهمية العلاقات المغاربية في تلك المرحلة.
حرص الوفد المغربي على أن تعكس الزيارة روح التضامن التي طبعت العلاقات خلال سنوات الكفاح ضد الاستعمار، حيث حمل الملك معه هدايا رمزية ومساعدات عسكرية، في امتداد للدعم الذي قدمه المغرب للثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954، غير أن أجواء المجاملة السياسية لم تُخفِ الخلاف العميق حول ملف الحدود الذي خلفه الاستعمار الفرنسي، وهو الملف الذي حمله الملك ضمن أولويات المباحثات الثنائية، خلال اللقاءات المغلقة بين القائدين، اقترح بن بلة تأجيل بحث قضية الحدود إلى حين استكمال بناء مؤسسات الدولة الجزائرية، مؤكداً أن بلاده لن تكون مجرد وارث للتركة الاستعمارية، غير أن هذا التأجيل لم يُنهِ القلق المغربي من استمرار الوضع الحدودي كما رسمته الإدارة الاستعمارية.
بعد انتهاء الزيارة، دخلت العلاقات مرحلة توتر متصاعد، إذ شهدت وسائل الإعلام الجزائرية حملة اتهامات ضد المغرب، خاصة في ما يتعلق بالاضطرابات التي عرفتها منطقة القبائل، وهي حملة وجدت صدى في الإعلام المصري في ظل التقارب السياسي بين الجزائر والرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يرى في النظام الجزائري امتداداً لمشروع القومية العربية في المنطقة المغاربية، وفي المقابل، ظل المغرب متمسكاً بخيار الحوار لمعالجة الخلاف الحدودي، معتبراً أن ترسيم الحدود الذي قامت به فرنسا خلال فترة الاستعمار ألحق أجزاءً من الأراضي المغربية بالتراب الجزائري.
في أكتوبر 1963، تحوّل التوتر السياسي إلى مواجهة عسكرية بعد اندلاع اشتباكات في مراكز حدودية مثل حاسي بيضا وتينجوب، حيث اعتبر المغرب أن الهجوم استهدف مواقع خاضعة لسيادته، بينما تمسكت الجزائر بمبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، حاولت الرباط احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، فأُرسلت وفود رسمية إلى الجزائر لشرح الموقف المغربي والدعوة إلى التهدئة، غير أن الاتصالات لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، لتندلع المواجهات المسلحة التي استمرت أياماً قليلة فيما عُرف لاحقاً بحرب الرمال.
ورغم قصر مدة الحرب، فإن آثارها السياسية كانت عميقة، إذ تدخلت وساطات إفريقية وعربية ودولية لوقف إطلاق النار، وتم التوقيع على اتفاق في العاصمة المالية باماكو أواخر أكتوبر 1963، منهياً المواجهات العسكرية دون أن ينهي الخلاف السياسي بين البلدين، وقد عكست تلك المرحلة أيضاً تداخل الحسابات الدولية في سياق الحرب الباردة، حيث دعمت بعض الدول العربية الجزائر سياسياً، بينما اتُّهمت فرنسا في عهد الرئيس شارل ديغول باتباع سياسة توازن بين الطرفين.
شكّلت حرب الرمال أول اختبار صعب للعلاقات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال، وألقت بظلالها على مشروع الوحدة المغاربية لسنوات طويلة، إذ تحوّل الخلاف الحدودي إلى عامل دائم في توتر العلاقات الثنائية، وبين روايات تاريخية متباينة حول أسباب النزاع ومسؤوليات اندلاعه، بقيت تلك الحرب محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، تكشف كيف يمكن لملفات الاستعمار غير المحسومة أن تتحول سريعاً من موضوع تفاوض سياسي إلى مواجهة عسكرية بين دولتين جارتين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.








