بين النقاش المشروع والاستهداف الانتقائي.. قراءة في الحملة التي طالت أسماء وازنة من الأقاليم الجنوبية

مدير الموقع19 مايو 2026
مدير الموقع
وجهة نظر
مدير الموقع

شطاري نيوز 

أثار التفاعل الكبير الذي رافق تداول معطيات وإشاعات حول عدد من الشخصيات السياسية الصحراوية خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط المحلية والجهوية والوطنية، خاصة وأن الأمر لم يتوقف عند اسم واحد، بل جاء بشكل متتابع ومسترسل، بدأ مع حمدي ولد الرشيد، ثم امتد إلى محمد لخريف، وبعده محمد ولد الرشيد، وهي أسماء تنتمي لنفس الامتداد السياسي والاجتماعي والقبلي، ما يجعل الأمر يتجاوز مجرد نقاش عادي حول تدبير الشأن العام.

فهذا التسلسل الزمني وطريقة طرح الملفات يطرحان أكثر من علامة استفهام، خصوصًا وأن هذه الحملة جاءت مباشرة عقب التصريحات التي أدلى بها نزار بركة، والتي أكد فيها أن حزب الاستقلال يطمح إلى قيادة الحكومة المقبلة، بل وتحدث أيضًا عن ترؤس “حكومة الحكم الذاتي” مستقبلًا، وهو تصريح ذا دلالات سياسية عميقة بالنظر إلى الثقل الذي تمثله هذه الأسماء داخل حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية.

ومن هنا بدأ يتشكل عند الكثيرين إحساس بأن ما يجري ليس معزولًا عن السياق السياسي، خاصة وأن الشخصيات التي يجري استهدافها تُعتبر من أبرز الوجوه التي راكمت حضورًا انتخابيًا وسياسيًا بالصحراء، ولها تأثير واضح داخل المشهد الحزبي والتنظيمي بالأقاليم الجنوبية.

وفي خضم هذا الجدل، من المهم التأكيد على نقطة أساسية كثيرًا ما يتم تجاهلها، وهي أن الاستثمار في العقار أو اقتناء الأراضي، في حد ذاته، ليس جريمة ولا شبهة، ما دام يتم وفق المساطر القانونية المعمول بها بالمغرب، وعن ماروجته مايطلق عليها جبروت هنا اتحدث، فالقانون يخول لأي مستثمر، سواء كان منتخبًا أو رجل أعمال أو مواطنًا عاديًا يريد الاستثمار، حق شراء العقارات والأراضي من المركز الجهوي للاستثمار وفق الضوابط القانونية والأسعار المحددة والمؤطرة من طرف المؤسسات المختصة.

أما إذا كانت هناك تجاوزات أو استفادة غير قانونية، فذلك يبقى من اختصاص القضاء والمؤسسات الرقابية، وليس مواقع التواصل الاجتماعي أو حملات التشهير التي تصدر الأحكام بشكل مسبق، لأن الخلط بين الاستثمار المشروع وبين الاتهام المجاني، قد يحول أي نجاح اقتصادي أو سياسي إلى هدف لحملات منظمة هدفها ضرب الخصوم أو التشويش عليهم.

فإذا تعلق الأمر فعلًا بحملة وطنية شاملة لفتح ملفات العقار والامتيازات والريع في مختلف مناطق المملكة، لن يعترض أحد على ذلك، بل سيكون مطلبًا شعبيًا مشروعًا، لكن حين يتم التركيز بشكل متتابع على شخصيات من نفس المكون السياسي والاجتماعي والقبلي، فمن الطبيعي أن يشعر أبناء هذا المكون بأن هناك انتقائية واضحة، وأن القضية قد تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد محاربة الفساد.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن هذه الشخصيات لا يعني إنكار الواقع الاجتماعي أو التقليل من معاناة فئات واسعة من الشباب بالأقاليم الجنوبية، فهناك بالفعل مطالب مشروعة مرتبطة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والاستفادة العادلة من ثمار التنمية، وهي قضايا حقيقية لا يمكن القفز عليها أو اختزالها في مجرد “حملات فيسبوكية”.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف بأن مدن الصحراء، وعلى رأسها العيون، شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات عمرانية وتنموية كبيرة قادها رجل المرحلة حمدي ولد الرشيد في إطار الأوراش الملكية التي أطلقها الملك محمد السادس لفائدة الأقاليم الجنوبية، وهي التحولات التي ساهم فيها الرجل، حيث لعب أدوارًا بارزة في تدبير الشأن المحلي وتطوير البنية التحتية والخدماتية لمدينة العيون.

فالعيون اليوم ليست هي عيون الأمس، لكن العيون تتربسها الكثير من العيون، فمن حق الناس أن يختلفوا سياسيًا حول طرق التدبير أو توزيع الفرص، لكن من الصعب إنكار حجم التغيير الذي عرفته المدينة مقارنة بفترات سابقة.

إن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب متزن وعقلاني، يفرق بين المطالبة بالمحاسبة وبين تصفية الحسابات، وبين النقد المشروع وبين التشهير الممنهج، كما تحتاج إلى الاحتكام للمؤسسات والقانون بدل تحويل الفضاء الرقمي إلى محاكم موازية.

وفي النهاية، فمهما اختلفت المواقف واختلفت التوجهات، هناك من يرفضون أن تتحول قضايا حساسة إلى وسيلة لضرب مكون معين أو التشويش على أسماء سياسية بعينها تنتمي لذلك المكون، فهذا حق يراد به باطل، خاصة عندما يأتي ذلك في سياق سياسي دقيق، وبتزامن يثير الكثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة.

وفي خضم هذا الجدل، أجد نفسي أتساءل بصراحة: إذا كان الأمر فعلًا يتعلق بإرادة حقيقية لفتح ملفات الفساد والاختلالات، فلماذا لا نرى لوائح مختلطة تضم أسماء من مختلف الجهات والانتماءات؟ ولماذا يتركز الضوء، بشكل متتابع ومثير للانتباه، على شخصيات تنتمي إلى نفس الامتداد السياسي والقبلي؟ شخصيًا، وأنا ابن هذه المنطقة، أعلم كما يعلم كثيرون أن هناك ملفات واختلالات وفضائح أكبر وأخطر مما يتم تداوله اليوم، بعضها تم التغاضي عنه بالكامل، وبعضها مرّ مرور الكرام دون أي ضجيج أو حملات منظمة، لذلك، من حقنا أن نتساءل: هل كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإداريين بالمغرب نزهاء إلى هذه الدرجة، ولم يبقَ سوى هذه الأسماء المعروفة لتُفتح بشأنها كل هذه الزوابع؟ أم أن في الأمر انتقائية واضحة يراد من خلالها توجيه الرأي العام نحو أهداف معينة تحت غطاء محاربة الفساد ؟

Leave a Comment

You must be logged in to post a comment.

تنبيه
error: Content is protected !!