هيمنة الأحزاب العائلية والمشهد السياسي القبلي بالصحراء: أي مستقبل لتنزيل الحكم الذاتي؟

مدير الموقع26 يوليو 2025
مدير الموقع
وجهة نظر
مدير الموقع

شطاري نيوز 

بقلم: سيد الزين محمد

يعكس المشهد الحزبي في الأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها جهة العيون الساقية الحمراء، بنية سياسية هجينة يتقاطع فيها منطق الانتماء القبلي مع أدوات العمل الحزبي الرسمي، في مشهد تتراجع فيه الدينامية الديمقراطية لفائدة الولاء الاجتماعي التقليدي. فالأحزاب، بدل أن تُشكل فضاءات للتأطير السياسي والتداول في السياسات العمومية، أضحت رهينة لمعادلات قبلية تؤطر السلوك الانتخابي وتحدد مسبقًا موازين القوى داخل المجالس والمؤسسات.

 

في هذا السياق، تحولت التنظيمات الحزبية إلى مجرد واجهات قانونية لتزكية سلطات محلية قائمة بالفعل، في حين ظلت التعددية الحزبية شكلية، لا تعكس تعددًا في الرؤى أو البرامج بقدر ما تُعيد إنتاج النفوذ القبلي ذاته تحت يافطات حزبية متعددة، فحزب الاستقلال وحزب الحمامة وحزب الجرار في جهة العيون الساقية الحمراء نموذج صارخ لهذا الواقع، حيث تنصهر الهوية الحزبية في الامتداد العائلي والقبلي، التي تتحكم في مفاصل القرار المحلي منذ سنوات طويلة، عبر آلية انتخابية محكومة سلفًا بشبكة ولاءات تقليدية.

 

التحالفات السياسية في الجهة لا تُبنى بناءً على برامج أو توجهات إيديولوجية، بل تُنسج وفق توازنات قبلية ومصالح ظرفية، تجعل من الحزب مجرد “مركب انتخابي” قابل للتبديل، شرط الحفاظ على التموقع الاجتماعي والسياسي ذاته، وهو ما يفسر سهولة انتقال بعض المنتخبين من حزب إلى آخر دون أي حرج، ودون أن ينعكس ذلك على نتائجهم في صناديق الاقتراع.

 

هذا الواقع يُضعف أي إمكانية لبروز معارضة حقيقية، أو لتداول فعلي على السلطة المحلية، فالمؤسسات المنتخبة تتحول إلى مجال لتقاسم النفوذ، أكثر منها إلى فضاء لممارسة الرقابة أو صياغة السياسات العمومية، كما أن ضعف النقاش العمومي وتهميش النخب غير المرتبطة بالدوائر القبلية، يعمقان من عجز الأحزاب عن تجديد خطابها أو توسيع قواعدها الاجتماعية.

 

في ظل هذا المشهد، تبدو مشاريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية محاصَرة ببنية تقليدية صلبة، تُفرغها من مضمونها الديمقراطي، ويصبح الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق المواطنة رهينًا بإصلاحات عميقة تطال البنية الحزبية، ووظيفة المؤسسات المنتخبة، ومجال الحريات والنقاش العمومي في الجهة.

 

فإستمرار الهيمنة الأحادية ـ جهة العيون الساقية الحمراء على سبيل المثال ـ، المغلفة بتعددية حزبية شكلية، يُفضي إلى إضعاف الثقة في العمل السياسي، ويجعل الانتخابات مجرد محطة لإعادة إنتاج النفوذ، لا لتداوله، ولتجاوز هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى تدخل مركزي أكثر جرأة، يُعيد الاعتبار للمؤسسات، ويُؤسس لمسار حزبي لا يُقصي الكفاءات المستقلة عن الانتماء القبلي، ولا يُرتهن للمنطق العائلي على حساب الصالح العام.

ففي عدد من الجماعات والمجالس، نجد ان اللوائح الانتخابية تضم على رأسها مرشحين من نفس العائلة  ونفس الكنية، تتوزع بينهم الأدوار داخل المؤسسات، سواء في مواقع الرئاسة أو النيابة أو اللجان، مما يجعل من العملية الانتخابية مسارًا مغلقًا، لا يُفضي إلى تداول فعلي على المسؤولية، بقدر ما يُكرّس نوعًا من “الوراثة السياسية”.

ويرتبط هذا التمركز العائلي بعدة عوامل، منها الطابع القبلي الذي ما زال يحكم الحياة العامة في هذه المناطق، وضعف الإطار المؤسساتي للأحزاب، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين، كما تلعب الإمكانيات المادية الكبيرة لبعض العائلات دورًا في التحكم في مفاصل العملية الانتخابية، بما فيها الحملات، واستمالة الناخبين، وأحيانًا التأثير على قرارات التزكية داخل المركز.

ولهذه الاسباب فالعديد من الشباب والكفاءات المحلية يجدون أنفسهم خارج لوائح الترشيح، بسبب انتمائهم لعائلات غير “محسوبة” على مراكز النفوذ التقليدية، أو لعدم خضوعهم لمنطق الولاء القبلي او العائلي، ما يؤدي إلى تهميش الطاقات الصاعدة، ويُفرغ العمل الحزبي من مضمونه الديمقراطي والتعددي.

إن استمرار هذه الظاهرة يُفرغ الانتخابات من بعدها التمثيلي، ويجعل المؤسسات المحلية امتدادًا لنفوذ عائلي أكثر منها أدوات للتنمية والتسيير الجيد، كما أنه يُعزز منطق الريع السياسي، ويُضعف فرص التغيير والتحديث السياسي في هذه الجهات التي يُراهن عليها في تنزيل مشروع الحكم الذاتي.

 فعد الحديث عن هذا الاخير، نجد انه يطرح واحدة من أبرز الإشكاليات البنيوية في مسار تنزيله في الأقاليم الجنوبية، وخاصة في ظل استمرار هيمنة ما يُعرف بـ”الأحزاب العائلية”، التي تُعيد إنتاج نفسها انتخابيًا وسياسيًا بعيدًا عن منطق الكفاءة والتمثيلية الحقيقية.

 

فالحكم الذاتي، كما تطرحه المملكة المغربية، يقوم على منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات موسعة في إطار الجهوية المتقدمة، مع إدارة شؤونهم المحلية عبر مؤسسات تمثيلية ديمقراطية، غير أن هذه الغاية تقتضي مشهدًا سياسيًا ناضجًا، يقوم على التعددية، وتداول المسؤولية، وتمثيلية حقيقية للمجتمع بكل مكوناته.

لكن إذا ظل المشهد السياسي محتكرًا من طرف عائلات نافذة تُوظف الانتماء القبلي والعلاقات الزبونية لاكتساح الاستحقاقات، فإننا سنكون أمام نموذج حكم ذاتي تتحكم فيه “نخب مغلقة”، لا تعكس بالضرورة تطلعات الساكنة ولا تخدم التنمية أو الاستقرار المؤسساتي الحقيقي.

 

فالامر هنا يتطلب إرادة حقيقية  وقرار اكثر جرئة صادر من المتحكمين في دواليب السياسة العمومية والجهات العليا، من اجل إعمال مبدأ الكفاءة والشفافية في اختيار المرشحين، وتشجيع مشاركة النساء والشباب، وتفكيك منطق “التوريث الحزبي”، بما يضمن انفتاح اللوائح على مختلف الفاعلين المحليين، لا أن تبقى أسيرة لعائلات تُدير الشأن العام كما لو أنه شأن خاص، وتطبيق مبدأ ربط المحاسبة بالمسؤولية وحالات التنافي في العضوية.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    تنبيه
    error: Content is protected !!