الطبقة الوسطى المغربية بين رهانات الصعود ومخاوف التراجع

Brahim22 يونيو 2026
الطبقة الوسطى المغربية بين رهانات الصعود ومخاوف التراجع

شطاري نيوز:

لم تكن الطبقة الوسطى في المغرب مجرد فئة اجتماعية تقع بين الأغنياء والفئات الهشة، بل شكلت على مدى عقود ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي ومحركاً رئيسياً للحراك الاقتصادي. فمن خلالها ترسخ نموذج اجتماعي قائم على التعليم والعمل والاستقرار المهني وامتلاك السكن، باعتبارها مسارات طبيعية للارتقاء وتحسين مستوى العيش.

وخلال مراحل مختلفة من تاريخ المغرب الحديث، ساهمت المدرسة العمومية والوظيفة العمومية والتوسع الحضري والنمو الاقتصادي في توسيع قاعدة هذه الطبقة وتعزيز دورها داخل المجتمع. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها السنوات الأخيرة أفرزت واقعاً مختلفاً، حيث لم يعد هاجس الصعود الاجتماعي يحتل الصدارة بقدر ما أصبحت الأولوية لدى جزء من هذه الفئة هي الحفاظ على المكتسبات وتجنب الانزلاق نحو أوضاع أكثر هشاشة.

وتبرز هذه المفارقة في سياق يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع اقتصادية كبرى وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، إلى جانب الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 وتوسيع الاستثمارات العمومية في القطاعات الاجتماعية، خاصة الصحة والتعليم. غير أن أهمية هذه الدينامية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المؤشرات الاقتصادية الكلية، وإنما بمدى انعكاسها على الإحساس اليومي للمواطن بالأمن الاجتماعي وقدرته على التخطيط لمستقبله بثقة.

ويظل التعليم أحد أبرز المجالات التي تعكس هذا التحول. فقد شكل لعقود طويلة القناة الرئيسية للترقي الاجتماعي، وساهم في انتقال أجيال من المغاربة إلى مستويات معيشية أفضل. إلا أن هذه المعادلة لم تعد بنفس الوضوح السابق، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بملاءمة التكوين لسوق الشغل وارتفاع كلفة التعليم بالنسبة للأسر التي تلجأ إلى القطاع الخاص بحثاً عن فرص تعليمية أفضل لأبنائها. وبذلك أصبح التعليم، بالنسبة لعدد من الأسر، استثماراً ضرورياً لكنه يفرض في المقابل ضغوطاً متزايدة على الميزانية العائلية.

وينطبق الأمر ذاته على قطاع الصحة. فرغم ما يحمله مشروع تعميم الحماية الاجتماعية من رهانات إصلاحية مهمة، فإن جزءاً من النقاش العمومي لا يزال مرتبطاً بجودة الخدمات الصحية وسهولة الولوج إليها. فبالنسبة للأسر المتوسطة، لا يرتبط تقييم الإصلاحات بعدد المستفيدين فقط، بل أيضاً بقدرتها على الحصول على خدمات صحية فعالة دون تحمل أعباء مالية إضافية أو اللجوء بشكل متكرر إلى القطاع الخاص.

كما يظل ارتفاع كلفة المعيشة أحد أبرز مصادر القلق لدى هذه الفئة. فحتى مع تراجع معدلات التضخم مقارنة بالسنوات الماضية، لا تزال العديد من الأسر تواجه آثار الارتفاعات التي طالت أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية. لذلك فإن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينعكس دائماً بالشكل نفسه على الإحساس الفعلي بالقدرة الشرائية، التي تبقى مرتبطة بالنفقات اليومية المرتبطة بالغذاء والنقل والتعليم والصحة والسكن.

ويبرز ملف السكن بدوره كأحد التحديات المتنامية أمام الأجيال الجديدة. فامتلاك منزل ظل لفترة طويلة أحد أبرز مؤشرات الاستقرار الاجتماعي والانتماء إلى الطبقة الوسطى، غير أن ارتفاع أسعار العقار وتكاليف التمويل جعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب والأسر الناشئة.

وفي موازاة ذلك، تعرف الأسرة المغربية تحولات ديمغرافية واجتماعية عميقة. فعدد أفراد الأسرة أصبح أقل مقارنة بالماضي، لكن كلفة التربية والتعليم والرعاية ارتفعت بشكل ملحوظ، كما أن ارتفاع متوسط العمر يفرض احتياجات إضافية مرتبطة بالصحة والحماية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة الأسرة الممتدة على لعب دورها التقليدي كشبكة دعم اجتماعي في ظل التحولات الحضرية وأنماط العيش الجديدة.

ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك عوامل قوة تساهم في الحفاظ على التوازن الاجتماعي، من بينها التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج التي تشكل دعامة مهمة للاستهلاك والاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى التراجع الملحوظ في معدلات الفقر مقارنة بعقود سابقة. غير أن التحدي المطروح اليوم لم يعد مرتبطاً بالفقر في مفهومه التقليدي فقط، بل بالشعور المتزايد بعدم اليقين لدى فئات كانت تعتبر نفسها مستقرة اقتصادياً واجتماعياً.

وتعكس بعض المؤشرات هذه التحولات، خاصة ما يتعلق بوضعية الشباب الذين يوجد جزء منهم خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، وهو ما يطرح أسئلة حول فعالية قنوات الاندماج الاجتماعي وفرص الحراك الاقتصادي. كما أن تراجع الثقة في بعض المؤسسات الوسيطة يعكس بدوره اتساع دائرة القلق المرتبط بالقدرة على استشراف المستقبل.

وتزداد هذه التحديات تعقيداً بفعل التفاوتات المجالية بين مختلف مناطق المملكة، إذ تختلف ظروف العيش وفرص الولوج إلى الخدمات الأساسية بين المدن الكبرى والمراكز الصغرى والمناطق القروية والجبلية. لذلك أصبحت جودة الخدمات العمومية والبنيات التحتية المحلية عاملاً أساسياً في تشكيل الإحساس بالأمن الاجتماعي والانتماء إلى الطبقة الوسطى.

في المحصلة، لا تبدو الطبقة الوسطى المغربية أمام خطر الانهيار بقدر ما تواجه تحدياً يتمثل في الحفاظ على موقعها واستعادة الثقة في المستقبل. فالمغرب يواصل تحقيق مكاسب اقتصادية ومؤسساتية مهمة، غير أن الرهان الأساسي يظل في تحويل هذه الدينامية إلى أثر ملموس على الحياة اليومية للمواطنين.

فالطبقة الوسطى ليست مجرد مؤشر اقتصادي أو تصنيف اجتماعي، بل تمثل الحاضنة الأساسية لقيم العمل والتعليم والادخار والاستقرار. ومن ثم، فإن تعزيز ثقتها في المستقبل يظل أحد الشروط الضرورية لترسيخ التماسك الاجتماعي وضمان استدامة مسار التنمية خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

تنبيه