شطاري نيوز – هيئة التحرير
في المنعطفات السياسية الحاسمة، لا تصنع المستقبل الأصوات الأعلى، بل تلك التي تُتقن الإصغاء، وتعرف أن الحكم ليس احتفالًا خطابيًا بل ممارسة يومية شاقة. هكذا يطلّ اسم نزار بركة في المشهد السياسي المغربي، لا كطارئٍ على طموح السلطة، بل كمحصّلة لمسار طويل من العمل داخل الدولة، حيث تتقدّم الحكمة على الاستعراض، ويتقدّم الفعل على الضجيج.
لم يكن حضور نزار بركة مجرّد امتدادٍ رمزي لتاريخ حزب الاستقلال، بل محاولة لإعادة الاعتبار لمنهج سياسي يقوم على التوازن بين الرؤية والقدرة، وبين الجرأة والمسؤولية. ففي زمنٍ أرهقته الشعبوية، اختار الرجل طريقًا أصعب؛ الإصلاح من داخل المؤسسات، والنقد من موقع الالتزام لا من مقاعد المتفرجين.
غير أن التجربة الحكومية الحالية كشفت، بوضوح مؤلم، حدود إدارة الشأن العام بمنطق تقنيّ جاف، يختزل الدولة في أرقام، والمجتمع في مؤشرات. حكومة راهنت على لغة التبرير بدل الاعتراف، وعلى الصمت حين كان الكلام واجبًا، فوجدت نفسها معزولة عن نبض الشارع، وعاجزة عن تحويل الوعود الانتخابية إلى أثرٍ ملموس في حياة الناس.
في هذا السياق، اكتسبت خرجات نزار بركة السياسية معناها الكامل، إذ لم تكن اعتراضاته على غلاء الأسعار، أو انتقاداته لضعف تدخل الدولة في ضبط السوق، مجرّد تسجيل نقاط سياسية، بل تعبيرًا عن وعيٍ بأن السياسة تفقد معناها حين تتخلّى عن بعدها الاجتماعي.
وحين تحدث عن أزمة القدرة الشرائية، لم يختبئ خلف شماعة الظرفية الدولية، بل سمّى اختلالات التدبير، وحمّل السياسات العمومية مسؤوليتها في ترك المواطن تحت رحمة المضاربة.
وحين نبّه إلى أزمة الماء، فعل ذلك بلسان رجل دولة، لا بلسان مُعلّق موسمي؛ اعتبرها فشلًا بنيويًا في الاستباق والتخطيط، لا مجرد ظرفية مناخية، داعيًا إلى مراجعة جذرية لمنظومة التدبير، وإلى الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق السياسة العمومية بعيدة المدى. في مقابل خطاب حكومي اكتفى بإدارة الطوارئ، قدّم نزار بركة قراءة استراتيجية، تضع المسؤولية حيث يجب أن تكون.
ما يميّز هذا المسار أن نزار بركة لم يمارس النقد بوصفه قطيعة، بل باعتباره تمهيدًا للبديل، هو يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب السلطة ليس الخطأ، بل الإصرار عليه، وأن الثقة لا تُستعاد بالبلاغات، بل بالوضوح وتحمل كلفة القرار. لذلك، بدا أكثر انسجامًا مع المزاج الاجتماعي العام، وأكثر قدرة على التعبير عن أسئلة الفئات التي شعرت بأن الحكومة الحالية لم ترها، أو لم تُنصت لها بما يكفي.
إن فشل التجربة الحكومية الراهنة لا يكمن فقط في تعثّر البرامج، بل في فقدانها الحسّ السياسي: ذلك الحس الذي يجعل من الدولة حَكمًا بين المصالح، لا طرفًا منحازًا لمنطق الربح، ومن السياسة أداة إنصاف لا تقنية تدبير. في هذا الفراغ، يبرز نزار بركة بوصفه حاملًا لأسلوب مختلف في الحكم، يقوم على إعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي، وعلى المصالحة بين الفعالية الاقتصادية والعدالة المجالية.
الحديث عن نزار بركة كرئيس حكومة محتمل لا يعني البحث عن “مُنقذ”، بل الرهان على رجل دولة يعرف حدود الممكن، ويُحسن توسيعها بهدوء. رجل لا يُغريه الخطاب السهل، ولا يخشى النقد حين يصبح الصمت تواطؤًا، ويؤمن بأن بناء الثقة مسارٌ تراكمي لا قرارًا فجائيًا.
في زمنٍ تآكلت فيه الوعود، قد لا يكون المغرب في حاجة إلى حكومة جديدة فقط، بل إلى منهج جديد في الحكم؛ منهج يُعيد للسياسة معناها، وللدولة دورها، وللمواطن إحساسه بأن صوته حاضر في القرار، لا مؤجَّل إلى بيانٍ قادم.








