انتهاء ولاية المينورسو.. ماذا يعني قانونياً وسياسياً دخول البعثة مرحلة التصفية؟

شطاري نيوز / متابعة

دخل ملف الصحراء المغربية، ابتداء من فاتح نونبر 2026، مرحلة أممية غير مسبوقة منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية «المينورسو» سنة 1991، وذلك عقب انتهاء ولايتها دون أن يتمكن مجلس الأمن من اعتماد قرار جديد لتمديدها، ولم يعد الأمر يتعلق هذه المرة بمجرد خلاف حول مدة التمديد أو صيغة القرار، وإنما بانتقال البعثة من مرحلة العمل الميداني إلى مرحلة التصفية المنظمة، في انتظار إعادة ترتيب الحضور الأممي في المنطقة على ضوء التطورات السياسية الجديدة.

 

وتؤكد الأمم المتحدة أن عمليات المينورسو توقفت بعد عدم تجديد ولايتها، وأن فاتح نونبر يشكل بداية فترة التصفية، التي سيتولى خلالها فريق أممي مصغر الإشراف على نقل الأصول التابعة للدول المساهمة بالقوات، والتعامل مع المعدات المملوكة للأمم المتحدة وفق القواعد والإجراءات المعمول بها، وهذا التفصيل يحمل أهمية قانونية كبيرة، لأنه يميز بوضوح بين انتهاء التفويض العملياتي للبعثة وبين استمرار المسؤولية الأممية عن تدبير عملية الانسحاب والتصفية.

 

ومن الناحية القانونية، فإن انتهاء الولاية لا يعني أن الأمم المتحدة أغلقت ملف الصحراء المغربية، كما لا يعني تلقائياً إسقاط القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، فالقرار الأممي السابق رقم 2797، الذي مدد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، أبقى المجلس «منخرطاً» في الملف، كما دعم مهمة الأمين العام ومبعوثه الشخصي في مواصلة المسار السياسي، وحدد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

 

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي عدم الخلط بشأنها، فالمينورسو ليست هي القضية نفسها، فهي بعثة أنشئت سنة 1991 بمهمة محددة، تاريخياً ارتبطت بمراقبة وقف إطلاق النار وتنفيذ ترتيبات التسوية آنذاك، بينما المسار السياسي للنزاع تديره الأمم المتحدة من خلال الأمين العام ومبعوثه الشخصي، وبالتالي فإن توقف البعثة بصيغتها الحالية لا يساوي قانونياً نهاية المسار الأممي ولا حسم الوضع النهائي للصحراء المغربية.

 

غير أن التطور يحمل، في المقابل، دلالة سياسية قوية، فمنذ سنوات، ظل مستقبل المينورسو مرتبطاً بتطور مقاربة مجلس الأمن للنزاع، خصوصاً مع انتقال التركيز تدريجياً من منطق البحث عن تسوية استفتائية جامدة إلى البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتنفيذ، وقد عكس القرار 2797 هذا التحول بوضوح عندما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، مع التأكيد على أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل نتيجة قابلة للتطبيق في إطار الحل النهائي.

 

واللافت أن الأزمة الأخيرة داخل مجلس الأمن لم تكن بسبب غياب الرغبة في التعامل مع الملف، وإنما بسبب اختلاف القوى الكبرى حول صيغة التعامل معه، فقد فشل المشروع الأمريكي في الحصول على اعتماد المجلس بعد استخدام روسيا حق النقض، فيما لم يحصل المشروع الروسي المضاد على الأصوات المطلوبة، وهو ما أدى عملياً إلى انتهاء الولاية دون تمديد جديد، وتكشف هذه الواقعة أن ملف الصحراء المغربية أصبح أيضاً جزءاً من التوازنات الأوسع داخل مجلس الأمن، حيث تتقاطع الاعتبارات الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى.

 

سياسياً، يمكن قراءة دخول المينورسو مرحلة التصفية باعتباره مؤشراً على نهاية مرحلة مؤسساتية استمرت 35 سنة، وليس بالضرورة نهاية الدور الأمني، فالأمم المتحدة نفسها تؤكد استعدادها لمواصلة دعم الحوار والمساعي السياسية من خلال مبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا، كما أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش أبقى على اهتمام المنظمة بالوضع الأمني واحتمالات التصعيد.

 

ومن زاوية مغربية، تفتح هذه الوضعية نقاشاً أوسع حول مستقبل الآلية الأممية نفسها، فإذا كانت المينورسو قد فقدت تفويضها، فإن السؤال الذي سيطرح خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط، هل ستعود البعثة، وإنما أيضاً، بأي صيغة ستعود إن تقرر إعادة تشكيلها أو إنشاء آلية بديلة، وما طبيعة المهام التي يمكن أن تضطلع بها،  وهل سيكون التركيز مستقبلاً على مراقبة ميدانية محدودة أم على دعم المسار السياسي؟

 

وهذه الاسئلة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها اتساع الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وتزايد التركيز داخل مجلس الأمن على ضرورة الوصول إلى حل سياسي واقعي وبراغماتي وقابل للتطبيق، وبالتالي، فإن أي عودة مستقبلية للحضور الأممي لن تكون بالضرورة نسخة طبق الأصل عن المينورسو التي تأسست سنة 1991.

 

أما من الناحية القانونية، فإن مرحلة التصفية تفرض على الأمم المتحدة معالجة مجموعة من الملفات العملية، من بينها وضعية الممتلكات والتجهيزات، نقل الأصول التابعة للدول المساهمة، تسوية الالتزامات المالية والإدارية، وترتيب خروج الموظفين والمعدات وفق القواعد الأممية، وتؤكد الصيغة التي أعلنتها الأمم المتحدة أن العملية ستكون منظمة وتحت إشراف فريق مصغر تابع للإدارة الأممية المعنية بالدعم العملياتي، وهو ما يعني أن انتهاء الولاية لا يترجم إلى انسحاب فوضوي أو فوري لكل عناصر الوجود الأممي.

 

وفي المقابل، فإن التطور يفرض تحدياً أمنياً لا يمكن تجاهله، فالأمين العام للأمم المتحدة أعاد التعبير عن قلقه من الوضع الأمني ومن مخاطر تصاعد الأعمال العدائية، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس وتفادي الإجراءات التي يمكن أن تزيد من حدة التوتر، الأمر الذي يجعل غياب آلية المراقبة السابقة عن الميدان تطوراً يحتاج إلى متابعة دقيقة.

 

لكن من الخطأ سياسياً وقانونياً تقديم انتهاء ولاية المينورسو على أنه إعلان أممي عن سيادة طرف على الصحراء المغربية، كما سيكون من الخطأ في الاتجاه المقابل اعتباره مجرد حدث إداري بلا آثار سياسية، الحقيقة تقع بين الأمرين، البعثة فقدت تفويضها، وبدأت عملية تصفيتها، لكن الوضع النهائي للإقليم لم يحسم بهذه الخطوة، بينما يستمر المسار السياسي الأممي وتظل القضية ضمن اختصاص مجلس الأمن.

 

والأكثر أهمية أن قرار مجلس الأمن السابق لم يضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في الهامش، بل جعله أساساً للمفاوضات، وهو تحول سياسي وقانوني ينبغي قراءته ضمن السياق الكامل للملف، وليس بمعزل عن باقي عناصره.

 

وبذلك، يبدو أن الصحراء المغربية تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي إعادة تعريف الدور الأممي، فبعد أكثر من ثلاثة عقود من وجود المينورسو، أصبح السؤال المطروح أمام الأمم المتحدة ليس فقط كيفية المحافظة على بعثة ميدانية، وإنما كيفية الانتقال إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بالحل السياسي النهائي.

 

ومن هذه الزاوية، فإن فاتح نونبر 2026 قد لا يكون مجرد تاريخ لبداية تصفية بعثة أممية، بل محطة مفصلية في مسار طويل يعيد ترتيب أدوات إدارة النزاع، فالمينورسو تنهي مهمتها بصيغتها الحالية، لكن الملف السياسي باقٍ، ومجلس الأمن ما زال معنياً به، ومبعوث الأمين العام يواصل مهمته، فيما أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي يحتل موقعاً مركزياً في هندسة المسار التفاوضي الأممي.

 

وعليه، فإن التطور الأبرز ليس فقط رحيل المينورسو، وإنما احتمال الانتقال من مرحلة إدارة النزاع عبر آلية ميدانية أنشئت قبل 35 عاماً إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الحل السياسي وطبيعة التسوية النهائية ومستقبل الحكم الذاتي محور المواجهة الدبلوماسية المقبلة.

 

وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن الحل السياسي الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، والذي يمكن أن يفتح الطريق أمام طي هذا الملف الذي طال أمده، يظل في مشروع الحكم الذاتي المغربي، غير أن نجاح هذا المشروع لا يرتبط فقط بموقعه داخل المفاوضات الأممية، وإنما كذلك بقدرته على الانتقال من مستوى المقترح السياسي إلى مستوى التصور العملي الذي يشارك في بلورته المعنيون المباشرون به.

 

وفي هذا السياق، تبرز مسألة أساسية تستحق نقاشاً صريحاً وواسعاً، تتعلق بتحديد الفئة التي يفترض أن تكون معنية بهذا المشروع، هل يتعلق الأمر بجميع الصحراويين، أم بالصحراويين الذين شملهم الإحصاء الإسباني لسنة 1974، وهي مسألة لا ينبغي أن تظل معلقة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بمفهوم التمثيلية وبكيفية بناء المؤسسات والآليات التي يمكن أن يقوم عليها الحكم الذاتي مستقبلاً.

 

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج، إلى جانب المسار الدبلوماسي، إلى فتح نقاش عمومي ومؤسساتي أوسع مع المعنيين المباشرين بالمنطقة، والاستماع إلى تصوراتهم وانتظاراتهم ومقترحاتهم بشأن شكل الحكم الذاتي وآليات تنزيله وضماناته، لأن أي حل يراد له أن يكون نهائياً ومستداماً لا ينبغي أن يظل موضوعاً للتفاوض بين الأطراف والفاعلين الدوليين فقط، بل يحتاج أيضاً إلى بناء نقاش حقيقي مع السكان المعنيين به، وإلى حدود اليوم، يظل هذا الجانب من النقاش أقل حضوراً مما يفترض أن يكون عليه، وهو ما يجعل فتحه بشكل منظم وواسع خطوة ضرورية لتعزيز شرعية أي تسوية سياسية مقبلة وتسريع طي هذا النزاع بشكل نهائي.إذا أردت، يمكنني أيضاً تقسيمه إلى ثلاث فقرات متقاربة في الطول تماماً مع الإبقاء على الكلمات نفسها.