المغرب.. قانون الإثراء غير المشروع يعود إلى الواجهة بعد سنوات من التعثر

شطاري نيوز / متابعة

عاد قانون الإثراء غير المشروع إلى واجهة النقاش التشريعي في المغرب، في سياق حكومي جديد أعاد ملف محاربة الفساد وتعزيز النزاهة إلى صدارة الأولويات، بعد سنوات من الجدل الذي رافق مشروع القانون الجنائي وما تضمنه من مقتضيات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع.

وتتجاوز أهمية هذا الملف مجرد الحديث عن «الإثراء» باعتباره زيادة في الثروة، إذ يتعلق الأمر بإقرار إطار قانوني متكامل يحدد الحالات التي يمكن أن تتحول فيها الزيادة غير المبررة في الذمة المالية إلى فعل مجرّم، والفئات التي يشملها القانون، وآليات المراقبة والإثبات، فضلاً عن العقوبات والضمانات القانونية المقررة للمعنيين بالأمر.

وكان مشروع القانون رقم 10.16 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي قد شكل الإطار التشريعي الأبرز الذي احتضن مقتضيات مرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع. وقد ظل هذا المشروع لسنوات موضوع نقاش سياسي وقانوني، قبل أن يتم سحبه من البرلمان سنة 2021، في خطوة ارتبطت بإعادة النظر في عدد من مقتضيات القانون الجنائي.

وتقوم فلسفة قانون الإثراء غير المشروع، في جوهرها، على الربط بين المسؤولية العمومية والتطور غير المبرر للذمة المالية، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يفرض عليهم القانون التصريح بممتلكاتهم. فالمقصود ليس تجريم امتلاك الثروة أو تحقيق أرباح مرتفعة بوسائل مشروعة، وإنما إخضاع الزيادات المالية التي لا تجد تفسيراً مشروعاً للرقابة القانونية والقضائية وفق شروط يحددها القانون.

ومن هنا تبرز أهمية التصريح بالممتلكات باعتباره إحدى الأدوات الأساسية في هذه المنظومة. فالتصريح لا يكتسب قيمته فقط باعتباره إجراءً إدارياً، وإنما يمكن أن يشكل أساساً لمقارنة الوضعية المالية للمسؤول أو الموظف المعني في مراحل مختلفة، ورصد التحولات التي قد تستدعي التحقق من مصادر الأموال والممتلكات.

كما يرتبط القانون بشكل وثيق بمفهوم تضارب المصالح، لأن مكافحة الفساد المالي لا تتوقف عند اكتشاف ثروة غير مبررة، وإنما تشمل أيضاً الحالات التي يستغل فيها المسؤول موقعه أو نفوذه لتحقيق منفعة خاصة، سواء لفائدته أو لفائدة أشخاص مرتبطين به، وهو ما يجعل منظومة النزاهة أوسع من مجرد تجريم فعل مالي محدد.

غير أن قوة أي قانون في هذا المجال لا تقاس فقط بصرامته، وإنما كذلك بمدى دقة صياغته. فلابد من تحديد واضح للأشخاص الخاضعين له، وطبيعة الممتلكات التي تشملها المراقبة، والمدة الزمنية المعتمدة في تقييم التطور المالي، وكيفية احتساب الموارد والمداخيل المشروعة، والجهات المخول لها القيام بالتحريات، ثم شروط إحالة الملفات على القضاء.

وتكتسي مسألة الإثبات أهمية خاصة، لأن وجود فرق بين الدخل والثروة لا يعني بصورة تلقائية ارتكاب جريمة. فقد تكون الزيادة ناتجة عن الإرث، أو بيع عقار، أو استثمار سابق، أو هبة، أو نشاط تجاري مشروع، أو مصادر مالية أخرى يمكن إثباتها بالوثائق والمعطيات القانونية.

لذلك، فإن أي صيغة جديدة لقانون الإثراء غير المشروع مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين فعالية مكافحة الفساد وضمانات دولة القانون، بما في ذلك قرينة البراءة، وحق الدفاع، وضرورة قيام المسؤولية الجنائية على عناصر قانونية واضحة، وعدم تحويل مجرد الشبهة أو عدم التناسب المالي إلى إدانة تلقائية.

ويكتسب الملف أهمية إضافية مع عودة الحكومة إلى التأكيد على تجريم الإثراء غير المشروع ضمن توجهها المتعلق بتعزيز النزاهة ومحاربة الفساد، بما يفتح الباب أمام إعادة صياغة الإطار التشريعي الذي تعثر في السابق.

وفي هذا السياق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تقديم مشروع قانون يحمل عنوان «الإثراء غير المشروع»، وإنما في بناء منظومة تشريعية متماسكة تجعل التصريح بالممتلكات والمراقبة المالية وتضارب المصالح وآليات التحقيق والعقوبات حلقات مترابطة داخل سياسة وطنية واضحة لمكافحة الفساد.

كما أن إعادة فتح الملف تمنح المشرع فرصة للاستفادة من النقاشات التي رافقت الصيغة السابقة، وتجاوز النقاط التي أثارت تحفظات سياسية وحقوقية، بما يسمح بإخراج قانون واضح وقابل للتطبيق، لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل أو الانتقائية.

فـقانون الإثراء غير المشروع، إذا أريد له أن يكون فعّالاً، ينبغي أن يكون قانوناً للمساءلة وليس قانوناً للشبهة، وقانوناً لحماية المال العام وليس أداة لتصفية الحسابات. وبين هذين البعدين تتحدد قيمة النص المنتظر وقدرته على تعزيز الثقة في المؤسسات وربط تحمل المسؤولية العمومية بمبدأ المحاسبة.

وفي النهاية، فإن عودة قانون الإثراء غير المشروع إلى الواجهة تمثل فرصة لإعادة بناء الإطار التشريعي لمحاربة الفساد على أسس أكثر وضوحاً، تجمع بين حماية المال العام وتشديد الرقابة على تضارب المصالح وتطور الذمة المالية، وبين احترام الحقوق والحريات والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.