قراءة في تحولات الموقف الروسي من نزاع الصحراء عبر تقرير المجلس الروسي للشؤون الدولية RIAC

Lhosin Bardalliدقيقة واحدة ago
Lhosin Bardalli
غير مصنف
قراءة في تحولات الموقف الروسي من نزاع الصحراء عبر تقرير المجلس الروسي للشؤون الدولية RIAC

 

في المشهد الجيوسياسي المعاصر لم تعد مراكز التفكير مجرد ردهات للبحث الأكاديمي، بل أضحت العقل الإستراتيجي الذي يمهد الطريق لتحولات الدبلوماسية لحلحلة مختلف النزاعات الإقليمية والدولية. و من هذا المنطلق جاء التقرير الأخير الصادر مؤخرا عن المجلس الروسي للشؤون الدولية RIAC كوثيقة مرجعية تعكس ذلك الإنتقال الجوهري في المقاربة الروسية تجاه ملف الصحراء المغربية، لتتجاوز بذلك روسيا لغة الحياد التقليدي الذي طبع موقفها من النزاع المفتعل لعدة سنوات، وليتغير جدريا لصالح واقعية سياسية تعترف بالأمر الواقع الذي فرضه المغرب في مختلف المنتديات الدولية.

 

إن هذه القراءة الروسية المتجددة لنزاع الصحراء المفتعل، لا تنفصل عن سياق نشأة مجلس الشؤون الدولية كمركز للتفكير الاستراتيجي ذاته بمرسوم رئاسي عام 2010، وكذراع معرفي يزاوج بين السياسة الخارجية والبحث الرصين، مما يجعل من أطروحاته إنعكاس لنضج الرؤية الروسية وتوظيفها للمعرفة كأداة نفوذ وقوة ناعمة قادرة على تفكيك الملفات الإقليمية المعقدة ببراغماتية عالية. لقد انتقل التشخيص الروسي في هذا التقرير من الإطار الأممي الضيق إلى فضاء الجيوسياسة الإقليمية، عبر الإعتراف الصريح بأن نزاع الصحراء المغربية المفاعل، ليس في جوهره سوى مواجهة بالوكالة إصطنعتها الجزائر في عهد الرئيس بومدين، معتبرا جبهة البوليساريو طرف يتحرك ضمن فلك الدعم اللوجستي والسياسي الجزائري.

 

 

هذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن مفاتيح الحل تكمن في ضبط التوازنات الثنائية بين المغرب والجزائر أكثر من إرتهانها للآليات التقليدية التي إستنفدت أسسها الأيديولوجية مع سقوط جدار برلين. وفي هذا السياق يقر المجلس في تقريره الإستراتيجي بالتفوق الميداني والدبلوماسي للمملكة المغربية، وذلك بالنظر إلى مؤشرات حيوية تجعل من العودة إلى “نقطة الصفر” من هذا النزاع أي “الإستقلال” ضرب من الخيال السياسي، فالدينامية التنموية التي دمجت الأقاليم الجنوبية في النسيج الوطني، وتآكل الإعترافات بالكيان الإنفصالي مقابل الزخم القنصلي الدولي في العيون والداخلة، فضلا عن محدودية الخيارات العسكرية للطرف الآخر، كلها عوامل كرست السيادة المغربية كحقيقة بنيوية غير قابلة للتراجع.

 

 

إن تبني مركز تفكير إستراتيجي مقرب من دوائر صنع القرار في موسكو لمبادرة الحكم الذاتي لعام 2007 بوصفها “الأساس الواقعي الوحيد” للنقاش الدولي كما أقرها مجلس الأمن في قراره التاريخي وبالإجماع رقم 2797، يحمل إشارات إستشرافية بالغة الأهمية، خاصة أنه يوحي بأن القوى الكبرى، بما فيها تلك التي كانت الى تاريخي قريب أكثر تأييدا للأطروحة الجزائرية، بدأت تقتنع بأن المسارات المتجاوزة كـمفهوم “الاستفتاء” قد واراها الثرى الجيوسياسي. ومن منظور إستشرافي، ترسم الرؤية الروسية التي جاء بها تقرير مركزها الإستراتيجي ملامح مستقبل يتجه نحو الجمود النشط الذي يميل بإستمرار لصالح المغرب، حيث تتحول القضية وبشكل تدريجي من نزاع سياسي حاد إلى ملف إداري وتنموي صرف، تكرس فيه الرباط موقعها كجسر اقتصادي يربط القارة العجوز بإفريقيا جنوب الصحراء، بينما يجد الطرف الآخر نفسه في عزلة سياسية متزايدة وضغوط دولية تدفعه نحو تقديم تنازلات حتمية لتفادي كلفة الدعم الباهظة.

 

 

ختاما، يتجلى من خلال التقرير الاستراتيجي الصادر عن المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن موسكو تعيد تموضعها في شمال إفريقيا والساحل عبر قراءة ميزان القوى ببرود سياسي، مدركة أن الإستقرار الإقليمي والشراكات الإستراتيجية المستدامة ترتبط بالتعامل مع القوى الصاعدة والمستقرة. إن توظيف المجلس الروسي للشؤون الدولية لهذه المعرفة الإستراتيجية يسوق لرؤية دولية جديدة تنهي النزاعات المفتعلة لصالح الواقعية السياسية، مما يجعل من تنزيل الحكم الذاتي بالصحراء المغربية منطلق وحيد لأي إستقرار مستقبلي، ويؤكد في الوقت ذاته أن الدبلوماسية الروسية باتت أكثر تحللا من إرث الحرب الباردة وأكثر إيمانا بحقائق الميدان وتحولات الجغرافيا السياسية الحديثة.

 

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي.


Warning: Division by zero in /home/chtarinews/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1528

Leave a Comment

You must be logged in to post a comment.

تنبيه
error: Content is protected !!