شطاري نيوز
بقلم سيد الزين محمد
تشهد مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، واحدة من أكثر الأزمات العقارية تعقيدًا في البلاد، إذ تحوّل الوعاء العقاري فيها إلى مجال تتحكم فيه شبكات المصالح والولاءات السياسية، في غياب تام للعدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي، فعلى الرغم من المشاريع التنموية الكبرى التي عرفتها المدينة خلال العقدين الأخيرين، ما زال المواطن البسيط يجد نفسه عاجزًا عن امتلاك سكن، أو حتى الاستفادة من بقعة أرضية، بسبب نظام عقاري بات أقرب إلى الريع منه إلى التنمية.
فرغم أن المدينة تتوفر على آلاف الهكتارات من الأراضي المحفظة والجاهزة للبناء، فإن أسعار العقار واصلت الارتفاع إلى مستويات غير منطقية، نتيجة احتكار العرض من طرف فئة محدودة من المستثمرين والمستفيدين من امتيازات عقارية ضخمة. يتم تجميد مساحات شاسعة من الأراضي في انتظار ارتفاع قيمتها السوقية، في حين يظل المواطن العادي عاجزًا عن اقتناء بقعة لبناء منزل، أو حتى العثور على شقة للكراء بسعر معقول، إن ما يزيد من غرابة الوضع أن العيون تضم مئات المنازل الجاهزة والمغلقة منذ سنوات، يُعتقد أنها كانت مخصصة في الأصل للعائدين إلى أرض الوطن، غير أن هؤلاء العائدين لم يستفد أيٌّ منهم في السنوات الأخيرة من تلك الوحدات، ما يطرح أكثر من سؤال حول أسباب هذا الغلق الطويل، ولماذا لم تُوزع هذه المساكن على السكان الأصليين الذين يعانون من أزمة سكن حادة.
في المقابل، يلاحظ أن الغالبية الساحقة من أبناء العيون الأصليين لا يملكون منازل خاصة بهم، خصوصًا الجيل الجديد منهم الذين تزوجوا وأصبحوا يعيلون أسرًا صغيرة، دون أن يتمكنوا من الاستفادة من بقع أو منازل رغم انتمائهم التاريخي للمدينة، هذا الإقصاء المزمن ولّد شعورًا عامًا بالتهميش، إذ يشعر السكان بأن ثروات منطقتهم تُوزّع بطرق غير عادلة، وأن برامج السكن الاجتماعي والتجزئات العقارية لا تراعي أولويات أبناء الإقليم.
وفي الوقت الذي يتم فيه إقصاء السكان الأصليين من حقهم في السكن والاستفادة من البقع، نجد أن فئات أخرى تحظى بهذه الامتيازات بسهولة، سواء عبر علاقات إدارية أو سياسية أو من خلال الانتماء إلى جهات معينة، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول غياب العدالة المجالية في توزيع الأراضي والمساكن بين جميع الفئات، وحول الأسباب التي تجعل أبناء المنطقة، الذين ساهموا في بناء تاريخها واستقرارها، آخر المستفيدين من ثرواتها العقارية.
ويعتبر متتبعون أن العلاقة بين العقار والسياسة بالعيون باتت علاقة تبادلية، حيث تُستعمل الوعود العقارية أحيانًا كورقة انتخابية أو وسيلة لتكريس الولاءات السياسية، فيما تُغيب معايير الشفافية والإنصاف في التوزيع، وهكذا يتحول العقار إلى أداة للنفوذ بدل أن يكون وسيلة لتحقيق التنمية والاستقرار الاجتماعي.
ولم يقف تأثير هذا الواقع عند حدود اقتناء السكن، بل امتد إلى سوق الكراء، الذي يعيش بدوره حالة من الفوضى وارتفاع الأسعار، فسومة كراء شقة صغيرة في حي متوسط أصبحت تتراوح حول 2000 درهم، وهو مبلغ يفوق طاقة كثير من الأسر محدودة الدخل، خصوصًا الموظفين الصغار والشباب المقبلين على الزواج. ويرجع ذلك إلى قلة العرض الحقيقي، واحتكار العقارات المعدة للكراء من طرف فئة ضيقة، إضافة إلى غياب أي مراقبة أو سياسة عمومية لضبط السوق وتحديد الأسعار.
إن ما يجري في العيون لم يعد مجرد اختلال اقتصادي، بل يعكس أزمة ثقة عميقة في تدبير المجال العمراني وتوزيع الثروة العقارية. فمدينة تتوفر على هذا الكم من الأراضي والمنازل المغلقة لا يعقل أن يعيش أبناؤها تحت ضغط الغلاء والإقصاء، إن فتح هذا الملف بشفافية، وإخضاعه للمساءلة، وتحرير الأراضي المجمدة والمنازل غير المستغلة، بات ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار للعدالة المجالية وضمان حق السكن الكريم لكل المواطنين. فالعقار في العيون يجب أن يكون رافعة للتنمية، لا وسيلة للاحتكار والريع.









Comments - ريع العقار في العيون.. ثروة صامتة تتحكم فيها السياسة والمصالح :
Sorry Comments are closed