حضور مغربي قوي في قمة موسكو.. الدبلوماسية الملكية تعزز موقع المملكة وتضع الصحراء المغربية في قلب التحولات الإفريقية

شطاري نيوز / متابعة

تسجل المملكة المغربية حضوراً سياسياً ودبلوماسياً وازناً في القمة الروسية الإفريقية الثالثة المنعقدة بالعاصمة موسكو، من خلال تمثيل رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب مشاركة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وسفير المملكة لدى روسيا لطفي بوشعرة، في مؤشر يعكس أهمية هذا الموعد بالنسبة للمغرب وموقعه المتقدم داخل القارة الإفريقية.

ولا تبدو المشاركة المغربية في قمة موسكو مجرد حضور بروتوكولي، بالنظر إلى طبيعة الوفد ومستوى التمثيل، وكذا أهمية القمة التي تبحث مستقبل العلاقات الروسية الإفريقية في مجالات استراتيجية تشمل التجارة والاستثمار والطاقة والفلاحة والتكنولوجيا. وهي ملفات تحظى بأهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً داخل القارة، مستنداً إلى رؤية ملكية جعلت من التعاون جنوب-جنوب وتعزيز الشراكات الإفريقية إحدى ركائز السياسة الخارجية للمملكة.

ويكتسي حضور المغرب في موسكو أهمية إضافية بالنظر إلى التحولات التي تعرفها القارة الإفريقية، وتنامي التنافس الدولي حول بناء شراكات استراتيجية مع دولها. وفي هذا السياق، يدخل المغرب إلى هذا الموعد من موقع مختلف، باعتباره دولة إفريقية ذات شبكة واسعة من العلاقات والشراكات، وفاعلاً حاضراً في عدد من الملفات الاقتصادية والتنموية والدبلوماسية المرتبطة بمستقبل القارة.

وتمنح القمة للمملكة فرصة جديدة لتأكيد رؤيتها القائمة على التعاون الإفريقي المبني على المصالح المشتركة، والتنمية والاستقرار، بعيداً عن منطق الاصطفافات الحادة. كما تتيح لممثليها التواصل مع عدد كبير من المسؤولين الأفارقة والدوليين، وطرح إمكانات التعاون في مجالات يمكن أن تعزز حضور المغرب الاقتصادي والاستثماري داخل القارة.

ومن زاوية أخرى، يكتسي هذا الحضور أهمية خاصة بالنسبة لقضية الصحراء المغربية، باعتبار أن التحرك الدبلوماسي للمملكة لم يعد محصوراً في المحافل التقليدية، بل أصبح جزءاً من دينامية أوسع تقوم على تعزيز الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف، وترسيخ واقع المملكة كفاعل إفريقي مؤثر.

وفي هذا الإطار، يبرز وجود ناصر بوريطة في موسكو إلى جانب رئيسة الحكومة كعنصر دبلوماسي مهم، خصوصاً مع اللقاء الذي جمعه بنظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش القمة، في ظرفية تتزامن مع الاستحقاقات المرتبطة بملف الصحراء داخل مجلس الأمن. وقد حظي اللقاء باهتمام إعلامي بالنظر إلى توقيته وأهمية العلاقات المغربية الروسية.

كما أن الحضور المغربي في قمة موسكو يكتسب دلالة سياسية إضافية من خلال كون المملكة تشارك في القمة بينما ظلت جبهة البوليساريو خارج هذا الإطار، وفق ما أوردته تقارير إعلامية حول القمة. وتتعامل الرباط مع قضية الصحراء باعتبارها قضية سيادة ووحدة ترابية، وتعمل دبلوماسياً على تعزيز دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل السياسي للنزاع.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا المعطى تتجاوز مسألة الحضور أو الغياب داخل قاعة القمة، لتصل إلى طبيعة التحولات التي تعرفها مواقف عدد متزايد من الدول تجاه قضية الصحراء، وإلى قدرة المغرب على تحويل حضوره الإفريقي وعلاقاته الدولية إلى رصيد دبلوماسي يدعم مقاربته القائمة على الواقعية والحل السياسي.

وتأتي المشاركة المغربية في موسكو أيضاً في سياق تطور لافت للعلاقات المغربية الروسية، التي شهدت خلال السنوات الماضية توسيعاً لمجالات التعاون، خصوصاً في قطاعات الفلاحة والصيد البحري والطاقة والتجارة والاستثمار. ومن شأن استمرار هذا الحوار رفيع المستوى أن يمنح العلاقات الثنائية هامشاً أوسع للتطور، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

ويحمل اختيار فاطمة الزهراء المنصوري لتمثيل الملك محمد السادس في هذه القمة دلالة سياسية مهمة كذلك، إذ يتعلق الأمر بأول مهمة رسمية خارجية لها بصفتها رئيسة للحكومة، في موعد دولي وإفريقي تحضره قيادة روسية رفيعة وعدد كبير من الوفود الإفريقية. وقد حضرت المنصوري حفل الاستقبال الرسمي الذي أقامه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين على شرف المشاركين في القمة.

ومن منظور مغربي، فإن الحضور في موسكو لا ينفصل عن استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الشراكات الدولية، والانفتاح على مختلف القوى المؤثرة، وتعزيز موقع المملكة باعتبارها جسراً بين إفريقيا وشركائها الدوليين. وهي استراتيجية تمنح المغرب قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحه الوطنية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، داخل فضاءات دولية متعددة.

وبذلك، تشكل القمة الروسية الإفريقية الثالثة مناسبة جديدة للمغرب لتأكيد حضوره داخل إفريقيا، ليس فقط من خلال الخطاب السياسي، وإنما عبر الدبلوماسية الاقتصادية والشراكات التنموية والتواصل المباشر مع مختلف الفاعلين. كما تمثل محطة أخرى لإبراز أن قضية الصحراء المغربية أصبحت جزءاً من النقاش الأوسع حول الاستقرار والتنمية والشراكات داخل القارة.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن الرهان المغربي يتجه نحو ترسيخ موقع المملكة كقوة إفريقية صاعدة، قادرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، والاستفادة من التحولات الجارية لتعزيز مصالحها الوطنية ودعم رؤيتها لتسوية قضية الصحراء في إطار حل سياسي واقعي وعملي.

ومن موسكو، يبعث الحضور المغربي برسالة واضحة مفادها أن المملكة تواصل توسيع دائرة تحركها الدبلوماسي، وتعزيز موقعها داخل إفريقيا، والانفتاح على شركاء جدد، في وقت تظل فيه قضية الوحدة الترابية في صلب أولويات الدبلوماسية المغربية، ضمن مقاربة تقوم على الحضور الفاعل، وتراكم الشراكات، وتحويل الحضور الإفريقي للمملكة إلى رصيد استراتيجي يخدم مصالحها العليا.