القطب الحضري ببوجدور.. حين يحكي الواقع حكاية أخرى
شطاري نيوز / متابعة
طريق بلا تشوير كافٍ، شاحنات تعبر وسط المجال السكني، وروائح مخلفات الأسماك التي تصل إلى المنازل مع هبوب الرياح… ملفات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى سكان القطب الحضري ببوجدور ترتبط بشكل مباشر بجودة الحياة والسلامة والعيش اليومي.
في واحد من أكبر التجمعات السكنية بالإقليم، تبدو المفارقة واضحة؛ حي يحمل صفة “القطب الحضري”، لكنه لا يزال ينتظر استكمال عدد من أبسط شروط المدينة، من أرصفة وتشوير وتهيئة وتنظيم لحركة السير. فهل تكفي التسمية وحدها لصناعة المجال الحضري؟ وإذا غاب الرصيف والتشوير ووسائل السلامة، فأين تبدأ المدينة وأين تنتهي؟
ويبرز شارع 30 بشكل خاص ضمن النقاط التي تستحق مزيداً من الاهتمام، بالنظر إلى الحركة اليومية التي يعرفها، والتي تجمع بين الشاحنات والحافلات والسيارات والراجلين، بمن فيهم الأطفال، في محيط سكني يحتاج إلى تنظيم أكثر وضوحاً لحركة المرور.
وتطرح وضعية الطريق أسئلة بسيطة لكنها مشروعة: هل تحتاج بعض المقاطع إلى تشوير إضافي؟ وهل يتطلب الأمر تحديداً أوضح للسرعة، أو وضع علامات تنبيه ووسائل لتهدئة حركة السير، أو استكمال الأرصفة بما يضمن سلامة الراجلين؟
فـ”ليدودان” ليست مجرد صباغة على الإسفلت، وعلامة تحديد السرعة ليست قطعة للزينة، وإنما وسائل وقائية قد تساهم في تفادي حادث كان بالإمكان منعه.
وتزداد أهمية تنظيم شارع 30 بالنظر إلى موقعه ضمن محور يعرف حركة مهمة، ويرتبط بمسارات العبور نحو جنوب المملكة والامتداد الإفريقي، وهو ما يجعل السلامة الطرقية وتنظيم حركة الشاحنات مسؤولية تستحق المعالجة قبل وقوع أي حادث، لا بعده.
أما قصة الروائح المنبعثة من مخلفات الأسماك، أو ما يعرف محلياً بـ”لگوانو”، فهي ملف آخر يفرض نفسه على يوميات السكان، خصوصاً عندما تهب الرياح من الشمال، حيث تجد الروائح طريقها إلى المنازل، لتتحول إلى مصدر إزعاج متكرر للساكنة.
وقد سبق لفعاليات محلية ومدونين ومنابر إعلامية أن أثاروا هذا الموضوع، كما تم التواصل بشأنه مع السلطات المحلية، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى مقاربة أكثر تنسيقاً بين مختلف المتدخلين، من أجل تحديد مصادر الإزعاج ودراسة الحلول الممكنة، بما في ذلك تنظيم مسارات الشاحنات واتخاذ علامات المنع أو التوجيه المناسبة، خصوصاً في المناطق الشمالية من المدينة بالقرب من السد القضائي للشرطة.
والحديث عن هذه الملفات لا يعني بالضرورة تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، فتنظيم المجال الحضري مسؤولية مشتركة، لكل مؤسسة أو جهة فيها اختصاصاتها وأدوارها. والمطلوب في النهاية هو أن تلتقي هذه الأدوار عند هدف واحد: حماية الساكنة وتحسين ظروف عيشها.
فالقطب الحضري ليس مجرد اسم أو مجال يظهر الاهتمام به خلال مواسم الاستحقاقات، وإنما فضاء يعيش فيه مواطنون بشكل يومي، ومن حقهم أن يجدوا طريقاً آمناً، وفضاءً منظماً، وخدمات تستجيب لحاجاتهم الأساسية.
وما نثيره اليوم ليس سوى بداية لعدد من الملفات التي تستحق النقاش الهادئ، من بينها وضعية الماء ومدى ملاءمته لمتطلبات الاستهلاك، والإنارة، والنظافة، والتهيئة، وغيرها من المشاكل اليومية التي قد تبدو صغيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى المواطن تشكل جزءاً من تفاصيل حياته.
لسنا أمام حملة للبحث عن المخطئ، ولا أمام رغبة في تحويل الملاحظات إلى خصومة مع المؤسسات أو المسؤولين. الهدف أبسط من ذلك: لفت الانتباه إلى ما يمكن إصلاحه، وفتح النقاش حول ما يحتاج إلى قرار أو تدخل أو تنسيق.
فبعض المشاكل لا تحتاج بالضرورة إلى مشاريع ضخمة أو ميزانيات استثنائية، وإنما إلى قرار في الوقت المناسب، وتنسيق جيد، وقليل من الإنصات إلى المواطنين.
فالأحياء لا تُبنى بالإسمنت وحده؛ أحياناً تصنعها تفاصيل تبدو بسيطة: رصيف آمن، علامة واضحة، مصباح مضاء، طريق منظم، وماء يطمئن إليه المواطن.
وكما يقال: ما لا يُدرك كلّه، لا يُترك جلّه.
والقطب الحضري ببوجدور، كما باقي أحياء المدينة، يستحق أن تُسمع ملاحظات ساكنته، وأن تتحول هذه الملاحظات، خطوة بعد خطوة، إلى حلول ملموسة على الأرض.
فالغاية ليست انتقاد المدينة، وإنما المساهمة في جعلها أفضل، لأن النقد الحقيقي لا يكون غايته الهدم، بل دفع الأمور نحو الإصلاح.

التعليقات 0