بين التقاليد والتباهي.. ظاهرة “الفشخرة” تغزو المناسبات الاجتماعية في العيون.  

Lhosin Bardalliساعتين ago
Lhosin Bardalli
غير مصنف
بين التقاليد والتباهي.. ظاهرة “الفشخرة” تغزو المناسبات الاجتماعية في العيون.  

شطاري نيوز – هيئة التحرير

في قلب الصحراء، حيث كانت قيم البساطة والقناعة تشكل العمود الفقري للهوية والترابط الاجتماعي، بدأت رياح التغيير تهب بعنف على التقاليد الصحراوية الأصيلة، محولةً الأفراح من مناسبات للتآزر والبهجة إلى استعراضات علنية للبذخ والمباهاة. فخلال الأسبوع الماضي، لم تكن مدينة العيون مجرد مسرح لاحتفالات زفاف عادية، بل تحولت إلى واجهة لظاهرة باتت تثير الكثير من الجدل والتساؤلات في الشارع المحلي، بعدما طفت على السطح مظاهر تبذير غير مسبوقة تجاوزت حدود المألوف والمنطق. لقد تداول الساكنة بدهشة كبيرة تفاصيل تلك الحفلات التي أقيمت في قاعات فخمة صُممت بديكورات خيالية، وجُلب لها أشهر الطهاة والفرق الموسيقية، بما في ذلك استقدام فرق فنية من موريتانيا بمبالغ فلكية لإحياء الليالي، في مشهد يكرس لثقافة “الشو” والتميز الطبقي الذي لم يعهده المجتمع الصحراوي من قبل.

 

ولم يتوقف الأمر عند حدود الولائم الباذخة التي يرمى جزء كبير منها في سلال المهملات، بل امتد ليشمل مواكب السيارات الفارهة وتوزيع هدايا ثمينة على عائلة العريس، أو ما يُعرف بـ “الفسخة”، مما يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة المناسبة الاجتماعية من قيمتها الروحية والاجتماعية إلى قيمتها المادية الصرفة. والمثير للاستغراب في هذه المشهدية هو رؤية عرسان في مقتبل العمر، لا يزالون في ريعان الشباب، وهم يقيمون حفلات تُصرف فيها ميزانيات ضخمة قد تكفي لبناء مستقبل كامل، بينما يعاني قطاع عريض من أقرانهم من عزوف قسري عن الزواج بسبب العجز عن مجاراة هذه التكاليف التعجيزية.

 

إن هذا الاندفاع نحو المبالغة في الإنفاق، والذي يراه البعض محاولة لتعويض نقص أو إثبات مكانة اجتماعية زائفة، بات يشكل ضغطاً رهيباً على الأسر ذات الدخل المحدود التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة هذه الموجة تجنباً للنظرة الدونية، مما يغرق الكثيرين في دوامة الديون والقروض. وبينما كانت “الوليمة” في العرف الصحراوي تعني إطعام المحتاج ومشاركة القليل مع الكثير، أصبحت اليوم حلبة للتنافس حول من ينفق أكثر، وهو ما يهدد بتفكيك الروابط الأخلاقية والقيمية التي تأسس عليها المجتمع الصحراوي، ويستوجب وقفة تأمل جماعية للحد من هذا النزيف الذي يستهلك الجيوب ويفسد النفوس، ويعيد الاعتبار لمفهوم “البركة” الذي غاب خلف بريق الأضواء الزائفة، لإنقاذ مؤسسة الزواج من أن تتحول إلى عبء مادي ينفر منه الشباب بدلاً من أن تكون سكناً ومودة.


Warning: Division by zero in /home/chtarinews/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1528

Leave a Comment

You must be logged in to post a comment.

تنبيه
error: Content is protected !!