استقالة الخطاط ينجا من البرلمان.. تسوية قانونية لحالة التنافي أم خطوة سياسية محسوبة؟

شطاري نيوز / متابعة

أعاد قرار الخطاط ينجا، النائب البرلماني عن دائرة وادي الذهب ورئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، تقديم استقالته من عضوية مجلس النواب، النقاش حول طبيعة هذه الخطوة وتوقيتها، خصوصاً أن الرجل يوجد منذ سنوات في قلب المعادلة السياسية والانتخابية بالجهة.

 

وبحسب المعطيات المتداولة، فقد وضع ينجا استقالته من عضوية مجلس النواب يوم أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، في خطوة تأتي في سياق حالة التنافي القائمة بين عضوية البرلمان ورئاسة مجلس الجهة، وهي وضعية تفرض قانونياً تسوية أحد المنصبين وعدم الجمع بينهما.

 

من الناحية القانونية، تبدو المسألة واضحة، إذ إن الجمع بين رئاسة مجلس جهوي وعضوية مجلس النواب لا يمكن أن يستمر في ظل مقتضيات التنافي. وبالتالي، فإن اختيار ينجا مغادرة المؤسسة التشريعية والإبقاء على رئاسة مجلس جهة الداخلة وادي الذهب يمكن قراءته باعتباره تسوية لوضعيته القانونية، خاصة بالنظر إلى أهمية الموقع الذي يشغله على المستوى الجهوي.

 

غير أن الاستقالة، في بعدها السياسي، تطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية عن الجانب القانوني.

 

فهل كانت الخطوة مجرد إجراء فرضته حالة التنافي؟ أم أن الأمر يتعلق بقرار سياسي جرى الإعداد له مسبقاً، وكان توقيته محسوباً بما يسمح بإعادة ترتيب التمثيلية البرلمانية للحزب بالدائرة؟

 

هذا السؤال يكتسب وجاهته بالنظر إلى أن الاستقالة من مجلس النواب لا تعني بالضرورة فقدان المقعد بالنسبة إلى التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه ينجا، إذ إن المقعد، في حال شغوره وفق المساطر القانونية، يمكن أن ينتقل إلى المترشح الذي يليه في ترتيب اللائحة، وهو ما يفتح الباب أمام دخول اسم جديد إلى المؤسسة التشريعية.

 

وهنا تحديداً تبرز الفرضية السياسية التي بدأت تثير النقاش في الأوساط المحلية: هل كان ينجا يعرف منذ البداية أن انتخابه في البرلمان قد يضعه أمام إشكالية التنافي مع رئاسة الجهة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان قرار الاستقالة من البرلمان جزءاً من سيناريو انتخابي وسياسي أوسع، يسمح بالحفاظ على رئاسة الجهة وفي الوقت نفسه بتمكين نائبه أو المترشح الموالي له في اللائحة من الوصول إلى البرلمان؟

 

طرح هذا السؤال لا يعني بالضرورة وجود ترتيب غير قانوني أو مناورة سياسية، وإنما يعكس طبيعة الحسابات التي ترافق الانتخابات في الدوائر ذات الخصوصية السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية لها حضور قوي في المشهد المحلي.

 

فالخطاط ينجا ليس اسماً عابراً في المعادلة السياسية بجهة الداخلة وادي الذهب، بل يشغل رئاسة مجلس الجهة، وراكم خلال السنوات الماضية تجربة انتخابية وسياسية جعلته أحد الفاعلين الأساسيين في المشهد المحلي.

 

ومن هذه الزاوية، فإن الاستقالة من مجلس النواب يمكن أن تُقرأ أيضاً باعتبارها اختياراً واضحاً للأولوية السياسية. فبدل الجمع بين موقعين انتخابيين، اختار ينجا الحفاظ على رئاسة الجهة، وهي مؤسسة تتمتع بصلاحيات واسعة في تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالتنمية والاستثمار والبرامج الترابية.

 

لكن في المقابل، فإن مغادرته للبرلمان قد تكون لها انعكاسات مباشرة على التوازنات داخل الدائرة الانتخابية لوادي الذهب، خصوصاً إذا آل المقعد إلى الاسم الموالي في اللائحة.

 

وهنا قد تكون الاستقالة بداية مرحلة جديدة أكثر منها نهاية لمسار.

 

فإذا دخل المترشح الموالي إلى مجلس النواب، فإن الحزب سيحتفظ بتمثيليته البرلمانية بالدائرة، بينما يظل ينجا ممسكاً بموقعه على رأس مجلس الجهة. وبذلك، يمكن أن تكون النتيجة السياسية هي استمرار الحضور الانتخابي والتنظيمي نفسه، ولكن عبر توزيع مختلف للأدوار بين رئيس الجهة والنائب البرلماني الجديد.

 

هذه القراءة تجعل من الصعب التعامل مع الاستقالة باعتبارها مجرد واقعة إدارية أو قانونية.

 

صحيح أن حالة التنافي توفر التفسير القانوني المباشر، لكن السياسة غالباً ما تتجاوز النص القانوني إلى قراءة التوقيت والنتائج المترتبة عن القرار.

 

فلو كان الهدف الوحيد هو احترام القانون، فإن الاستقالة تبقى إجراءً طبيعياً ومفهوماً. أما إذا كان القرار قد جاء في سياق ترتيبات سياسية داخلية، وكان معروفاً مسبقاً من سيستفيد من شغور المقعد، فإن الاستقالة ستكتسب بعداً آخر، باعتبارها خطوة لإعادة توزيع الأدوار داخل الخريطة السياسية المحلية.

 

ومع ذلك، يبقى من الضروري التعامل مع هذه الفرضية بحذر، لأن الحديث عن كون الاستقالة “مدبرة” أو مخططاً لها مسبقاً يحتاج إلى معطيات واضحة، ولا يمكن بناء استنتاج نهائي فقط على التوقيت أو النتائج المحتملة.

 

المؤكد أن ينجا كان أمام معادلة سياسية وقانونية دقيقة: إما الاستمرار في عضوية البرلمان مع التخلي عن رئاسة الجهة، أو الحفاظ على موقعه الجهوي وتسوية وضعيته البرلمانية.

 

وقد اختار الخيار الثاني.

 

والسؤال الذي سيحسم جانباً كبيراً من الجدل خلال الأيام المقبلة هو: من سيخلف الخطاط ينجا في مجلس النواب؟

 

فالاسم الذي سيصعد إلى البرلمان، وطريقة تعامله مع المرحلة المقبلة، ومدى قربه من ينجا ومن قيادة الحزب، كلها عناصر ستمنح الاستقالة معناها السياسي الحقيقي.

 

إذا كان المقعد سينتقل إلى شخصية محسوبة على الخط السياسي نفسه، فقد يبدو الأمر أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار داخل الفريق السياسي نفسه، وليس تغييراً جذرياً في موازين القوى.

 

أما إذا أفرزت العملية البرلمانية الجديدة معطيات مغايرة، فقد تتحول الاستقالة إلى محطة تعيد ترتيب المشهد السياسي في وادي الذهب.

 

وفي جميع الأحوال، فإن مغادرة ينجا لمجلس النواب لا تعني مغادرته للمشهد السياسي، بل على العكس، يبدو أن الرجل اختار موقعاً آخر يظل من خلاله حاضراً بقوة في صناعة القرار الترابي بجهة الداخلة وادي الذهب.

 

وبين القراءة القانونية التي ترى في الاستقالة مجرد تسوية لوضعية تنافٍ، والقراءة السياسية التي ترى فيها خطوة محسوبة لإعادة توزيع الأدوار، ستبقى الأيام المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كانت الاستقالة مجرد إجراء فرضه القانون، أم أنها كانت أيضاً جزءاً من حسابات سياسية أوسع.

 

وفي انتظار اتضاح الصورة، يبقى الثابت أن الخطاط ينجا يغادر مقعده البرلماني، لكنه لا يغادر المعادلة السياسية بوادي الذهب، وأن المقعد الذي تركه خلفه قد يكون مفتاحاً لفهم الأبعاد الحقيقية لهذه الخطوة.